منتدى جنة


‏جمال الدنيا‏:‏ ينبع من عينيك‏ !
 
الرئيسيةمفاتيح جنةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تورغنييف: ثالث عمالقة الأدب الروسي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
لوجين
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1099
العمر : 28
السٌّمعَة : 5
نقاط : 31056
تاريخ التسجيل : 27/02/2010

مُساهمةموضوع: تورغنييف: ثالث عمالقة الأدب الروسي   السبت فبراير 27, 2010 3:33 pm

كانوا ثلاثة في القرن التاسع عشر: دوستويفسكي، تولستوي، تورغنييف. ولكن إذا كنا
نسمع جميعاً بالاسمين الأولين فإن القليلين يعرفون الاسم الثالث. ولد تورغنيف عام
1818 ومات عام 1883 عن عمر يناهز الخامسة والستين. و قد عاش معظم حياته في الخارج،
أي في ألمانيا وفرنسا على وجه الخصوص. واشتهر بحبه لمغنية فرنسية تدعى باولين
فياردو. وعلى الرغم من أنها كانت متزوجة إلا أنه ظل يلاحقها لمدة أربعين سنة رافضاً
أن يعيش إلا في كنفها أو ظلها حتى ولو بشكل ذليل في أحيان كثيرة. فالحب يعمي
ويصم..أليس هو كاتب قصة رائعة بعنوان: "الحب الأول"؟
كان كاتب رواية وقصة قصيرة
في آن معا. ومن أشهر رواياته "الآباء والبنون". وفيها يتحدث عن الهوّة التي تفصل
بين الأجيال: أي جيل الآباء وجيل الأبناء. فالأبناء عنيدون، متشبثون برأيهم، معادون
للنظام القائم، وواثقون من أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة. وأما الآباء فقد عركتهم
الحياة وأصبحوا أكثر واقعية. وهم يرغبون في الاقتراب من أبنائهم ولكنهم يصطدمون
بالرفض القاطع والاحتقار. وهكذا يشعرون بالألم الشديد لأن أبناءهم انفضوا عنهم
وأداروا ظهرهم لهم. في الواقع إن هذا الصراع، أي صراع الأجيال، عتيق عتق العالم،
ولكنه اتخذ في روسيا آنذاك طابعاً حاداً جدا. ينبغي العلم بأن المادية العلمية
للماركسية كانت قد أخذت تنتشر في أوساط الشباب وتتغلّب على الليبرالية الحالمة لجيل
الآباء. ولكي يبلور هذا المخطط الإيديولوجي في رواية كاملة، لكي يعبر عنه بطريقة
فنية مقنعة، فإن تورغنيف كان بحاجة إلى موديل أو نموذج واقعي لكي يقلّده.
فهذا
الكاتب الروسي كان من أتباع المدرسة الواقعية المحضة في الفن. وكان يعتقد أن الفنان
ليس مطالباً بالبرهنة على أي شيء أو على أي أطروحة إيديولوجية. إنه مطالب فقط بأن
يكشف الواقع للناس كما هو لا أن يطلق حكم قيمة على شخصياته الروائية وتصرفاتها.
يضاف إلى ذلك أنه لا يخلق شخصياته من العدم، وإنما يستمدها من الواقع الحيّ ومن
ملاحظاته كل يوم. ولكن بالطبع فإنه يسبغ على الشخصية الواقعية مسحة الخيال لكي تصبح
روائية أو فنية مثيرة للاهتمام. ولذلك فإن شخصية "بازاروف" التي ابتدعها لكي تصبح
بطل الرواية كان قد التقاها فعلا في صميم الحياة اليومية ومن خلال طبيب روسي شاب.
وكان هذا الطبيب يمثل المبادئ الوليدة أو الجديدة في المجتمع الروسي والتي تلقّت
فيما بعد اسم: العدمية بسبب تطرفه وثوريته الزائدة عن الحد. ثم أضاف إلى شخصية هذا
الطبيب بعض صفات الكتّاب الذين كان قد تعرف عليهم في سان بطرسبورغ.

ومن خلال
هذا الخليط الروحي والنفسي نتجت شخصية بطل الرواية: بازاروف. هكذا نجد أنه واقعي
وغير واقعي في ذات الوقت. وهنا تكمن الكيمياء الإبداعية الساحرة للفن الروائي. إن
شخصية بازاروف هذه الجديدة في روسيا وغير المعروفة سابقاً كانت متمردة على جميع
القيم الدينية والأخلاقية والشرعية ولا تعترف إلا بالمعطيات العلمية المادية. هكذا
فُهِمت الحداثة في روسيا وذلك بتأثير من الغرب الأوروبي. وكان فهماً ساذجاً وسطحياً
في الواقع، ولكنه انتشر انتشار النار في الهشيم في أوساط طلبة الجامعات وبعض
المثقفين والصحفيين، الخ… وأما رودين، بطلة الرواية، فكانت تكتفي بمناقشة هذه
العقيدة العلمية الداخلة حديثاً إلى البلاد. هذا في حين أن بازاروف كان متطرفاً ولا
يقبل بالاعتناق النظري للعقيدة فحسب وإنما يريد تطبيقها عملياً وفوريا. كان يكره
الرفاهية والعيش الرغيد. وكان صلفاً، مغروراً يعتقد أنه قادر على مقاومة جميع
الإغراءات. وفجأة يضربه القدر في هذه النقطة بالذات. فقد وقع في حب امرأة غصباً
عنه، هو الذي كان يعتقد أنه فوق كل المشاعر والعواطف. وفي نهاية الصراع اضطر
للاعتراف بأن الأفكار والعقائد الإيديولوجية تبدو عاجزة أمام نداء الحب. باختصار
لقد اكتشف أن الحب أقوى من الإيديولوجيا. ثم مات من جرح متعفّن وبكى عليه أبوه وأمه
دون أن يفهماه. هذه هي باختصار شديد الخطوط العريضة للقصة.

ولكي يوضح فلسفة
هذا الإنسان السلبي والتراجيدي فإن تورغنيف أطلق عليه صفة العدمية. وراح يعرّف
الشخص العدمي على النحو التالي: إنه شخص لا يحترم أي سلطة، ولا يقبل أي مبدأ بدون
تفحّص مسبق مهما تكن أهمية هذا المبدأ وعلوّه. انه لم يعد يحترم عقائد المجتمع
الروسي ولا مقدساته بعد أن أصبح منبهرا بالغرب. لقد ماتت في داخله أو قل انعدمت كل
المعايير والقيم الموروثة عن الآباء. في السابق كان لدينا هيغليون، والآن لدينا
عدميون، يقول تورغنيف. ماذا حصل لشباب هذا العصر؟ في الواقع إن العدمي بازاروف كان
يريد أن يطبق على السياسة نفس المناهج الصارمة للعلم المادي وقوانينه الحتمية. وهذه
سذاجة ما بعدها سذاجة. وكان يقول بأنه تعب من الثرثرة الإصلاحية المملة لجيل
الآباء. ويعيب على الجيل السابق أنه ضيّع وقته في الكلام الفارغ، والتحدث عن الفن
من أجل الفن، والدعوة إلى تشكيل برلمان، والنزعة التوفيقية، بدلاً من التفكير
بتدبير الخبز اليومي للناس. وبالتالي فإن الثوري الراديكالي العدمي بازاروف يفرض
نفسه كشخص واقعي في مواجهة ميوعة الآباء الحالمين الذين لا يغيرون شيئاً في الواقع.
وأما الآباء فراحوا يشتكون من هؤلاء الأبناء المتمردين الذين يرمون بأنفسهم في
أتّون الممارسة العنيفة وخضم العمل الثوري الانقلابي. كانوا يقفون مكتوفي الأيدي
أمام هذه الحالة ويبكون حظهم العاثر لأن أبناءهم أفلتوا من أيديهم بل وأصبحوا
يعتبرونهم عالة عليهم، وكأن عهدهم قد انتهى. ومع ذلك فإن هؤلاء الآباء كانوا
يعتقدون بأنهم قد ناضلوا سابقاً من أجل العدالة والمثل العليا. وما كانوا مستعدين
لأن يتنكروا لشغفهم القديم بالفن والشعر. بل حاولوا أن يجعلوا أبناءهم يشاركونهم
أذواقهم وأفكارهم ومشاعرهم. ولكن الأبناء كانوا يرفضون ذلك بقوة، لأنهم يحتقرون كل
أدب غير ملتزم، أو غير فعّال ومناضل. فوحده الانخراط السياسي المباشر كان مهماً
بالنسبة إليهم. وهكذا حصل خلاف فني بالإضافة إلى الخلاف الإيديولوجي. وما كانوا
يتورعون إطلاقا عن اللجوء إلى العنف والقوة من أجل فرض عقيدتهم السياسية. وهكذا
خيّم سوء التفاهم بشكل كامل على العلاقات بين جيل الآباء، وجيل الأبناء. ولم يعودوا
يفهمون بعضهم بعضا.

يحق لنا أن نطرح هنا هذا التساؤل: ألم يصور تورغنيف في
هذه الرواية مصير روسيا المقبل لمدة قرن ونصف القرن؟ فجيل الآباء الليبرالي هزم
أمام الجيل الشيوعي (أو العدمي بحسب تعبير تورغنيف) لمدة مائة وخمسين سنة. ثم عاد
للانتصار من جديد على يد غورباتشيف ويلتسين بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي وسقوط
الشيوعية عام 1990. ينبغي أن نعلم أن الرواية نشرت لأول مرة عام 1862، أي قبل ظهور
لينين وانتصار الشيوعية بخمسين سنة على الأقل. ولكن الروائي بحسه المرهف ورؤياه
المستقبلية وضع يده على جوهر الصراع الروسي. فهناك من جهة فئة الليبراليين التي
تريد إدخال الإصلاحات بشكل تدريجي إلى البلاد دون تدمير الدين والتقاليد بطريقة
عدمية لا مسؤولة. إنها ترفض إعدام الماضي وكأنه لم يكن. وهناك فئة المراهقين
الثوريين الذين يريدون حرق المراحل وتغيير المجتمع بالقوة حتى ولو عن طريق البطش
والإرهاب. وكل تاريخ روسيا الحديث ما هو إلا ثمرة الصراع بين هذين التيارين
الكبيرين. كم تعبت روسيا وكم دفعت الثمن باهظا من جراء هذه المعارك المدمرة بين
التيار الإصلاحي المعتدل والتيار الثوري الراديكالي؟ بل وحتى الآن ألا نرى أنها لا
تزال متخبطة لا تعرف كيف تحسم مصيرها؟ قدم في الديمقراطية وقدم في
الديكتاتورية.أنظر بوتين.. فتارة تسلّم قيادها لحزب الشيوعيين، وتارة لحزب
الليبراليين. تارة تعطي نفسها للملحدين العدميين، وتارة تعطي قلبها وعقلها للمؤمنين
الأرثوذكسيين أو الليبراليين العلمانيين… هذه هي روسيا، هذا هو تاريخ روسيا كله
ملخَّصاً في رواية واحدة. لقد تنبأ به كاتب كبير حتى قبل أن يحصل أو أن يكتمل
حصولا. وهنا تكمن عبقرية الأدب. ليس غريباً، والحالة هذه، أن تكون رواية "الآباء
والبنون" قد رفعت تورغنيف إلى المرتبة العليا للآداب الروسية.

والآن نطرح
هذا السؤال: ماذا كانت ردود الفعل على الكتاب وقت صدوره؟ لقد هزَّ الرأي العام
المثقف في العمق. ولكن القراء والنقاد نسوا الطابع الفني للرواية ولم يعودوا يهتمون
إلا بمضمونها الفكري أو الإيديولوجي. كان تورغنيف متعاطفاً مع بطل قصته المتمرد.
وكاد أن يبكي وهو يصف لحظة موته أو احتضاره في الرواية. وقد صرح فيما بعد للصحفيين
بأنه يشاطر بازاروف كل أفكاره ما عدا تلك المتعلقة بالفن. وعلى الرغم من ذلك فإن
اليساريين الروس انقضوا عليه انقضاضاً رهيباً واتهموه بالرجعية وتأييد الإقطاع. لقد
اتهموه بالانتصار لجيل الآباء. نقول ذلك وبخاصة أنه هو ذاته كان من كبار النبلاء
والملاّكين الروس. وقالوا عنه بأنه لم يفعل إلا أن دافع عن امتيازاته ومصالحه.
وهكذا انصرف جيل الشباب عنه. وراحوا يشتمونه في مجالسهم واجتماعاتهم. بل وراحوا
يحرقون صوره. وربما هذا ما دفعه إلى مغادرة روسيا نهائيا. يقول تورغنييف: لقد لاحظت
نوعاً من البرودة، بل وحتى الحقد تجاهي لدى أشخاص كانوا مقربين مني، وذلك بعد صدور
الرواية. وأما الأشخاص الذين كانوا يقفون في المعسكر المضاد لي، أي المعسكر
التقليدي، فراحوا يقبلونني ويهنؤونني. وقد جرحني ذلك، فأنا لم أتخلّ عن معسكر
الحرية والتقدم. فقط أردت أن أصور الواقع الروسي كما هو، أو كما يبدو لي دون زيادة
أو نقصان… وعلى أي حال فقد ظل ضميري مرتاحاً.

لا أعرف لماذا أشعر بانسجام
عميق وألفة كبيرة عندما أغطس في نصوص أدباء روسيا ومشاكلهم وقضاياهم. لا أعرف لماذا
أشعر وكأني في بيتي وهمومي ومشاكلي..هل لأننا نحن العرب نعيش نفس الحالة التاريخية،
أقصد نفس التذبذب، أو نفس الحيرة والضياع والتمزق بين الماضي والحاضر، بين الغرب
والشرق، بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة؟ بدون شك. نحن أيضا لم نحسم
أمورنا بعد، نحن أيضا ندفع ثمن العبور التاريخي الكبير، ثمن الماضي الذي لا يمضي
والحاضر الذي لا يجيء. نحن أيضا لم نتوصل بعد إلى إيجاد تلك الحلقة المفرغة، إلى
تحقيق تلك المعادلة المستحيلة التي توفق بين تراثنا العربي الإسلامي والحداثة
العالمية. في الواقع أننا كالروس أصحاب تراث عريق، تراث طويل عريض يستعصي على
الانسحاق أمام الحداثة الغربية كما تفعل الأمم الأخرى التي لا تراث عظيما لديها.
لهذا السبب فان قصتنا طويلة وعذابنا كبير. ولهذا السبب فإننا ننقسم عادة إلى قسمين
كبيرين كمثقفي روسيا: قسم يريد الالتحاق بالغرب بأي شكل ويخجل بدينه وتراثه، وقسم
يرفض ذلك رفضا قاطعا مفتخرا بدينه وتراثه وزاهدا بهذه الحضارة الفاسدة المفسدة…قد
أكون أقدم كاريكاتيرا هنا عن كلا الموقفين.. ولكن ألا يمكن القول بان هناك قسما
ثالثا هو الأكبر والأكثر عددا: قصدت أولئك الذين يريدون المحافظة على شخصيتهم
التاريخية في الوقت الذي يفتحون فيه قلوبهم وعقولهم على مصراعيها لكي تستقبل الوافد
الجديد؟ كان دوستيوفسكي قد عبر عن ذلك أفضل تعبير في خطابه الشهير أمام تمثال
بوشكين وبحضرة كبار أدباء روسيا وشخصياتها. وكان خطاب الوداع الأخير..أللهم قد
بلغت! وفيه عرف كيف يجد صلة الوصل بين الكونية والخصوصية، بين المحلية والعالمية
بطريقة ناجحة وموفقة. عندئذ عرف كيف يجد تلك الحلقة المفرغة، الحلقة الضائعة التي
يبحث عنها الجميع دون أن يجدوها. عندئذ حسم المسألة مرة واحدة وإلى الأبد. وقد أبكى
الجميع عندئذ بمن فيهم عدوه اللدود تورغنيف الذي هجم عليه لكي يقبله ويعترف
بعبقريته التي لا تقاوم. لكن العلاقة بين الرجلين لم تكن دائما هكذا في الواقع.
فقبل ذلك حصلت بينهما أشياء وأشياء…وقد أن الأوان بعد إن وصلنا في الحديث إلى هذه
النقطة إلى طرح السؤال التالي:

كيف كانت علاقات تورغنيف مع تولستوي
ودوستويفسكي منافسيه على عرش الآداب الروسية؟ لا نستطيع هنا الإجابة على سؤال واسع
كهذا، وإنما سوف نكتفي بالتلميح لعلاقته مع دوستويفسكي. في الواقع إنها كانت
متقلبة، غامضة، معقدة. فبقدر ما كان تورغنيف سيداً أرستقراطياً مرفهاً لم يعرف
الحاجة المادية في حياته أبداً، كان دوستويفسكي فقيراً، معذباً، معقداً نفسياً،
يركض وراء لقمة العيش باستمرار.

وبقدر ما كان تورغنيف معجباً بأوروبا
الغربية وراغباً في أن تلحق روسيا بها بأي شكل، كان دستويفسكي معتزاً بسلافيته
ومتمسكاً بمذهبه المسيحي الأرثوذكسي أو قل بالروحانية الدينية، دون أن يعني ذلك أنه
لم يكن معجباً ببعض إنجازات الحضارة الأوروبية. وقد حصل اللقاء الأول بينهما في
مدينة "بادن بادن" بألمانيا حيث كان يقيم تورغنيف في فيلا تشبه القصر المنيف. ثم
كتب دستويفسكي لأصدقائه هذه الرسالة بعد اللقاء: لقد قال لي بأنه ملحد بالكامل وهو
يفتخر بذلك متبجحا. و لكن لماذا يكون ملحداً إذا كان الله قد أعطانا الصورة الكاملة
والخالدة للإنسان متجسدةً بالسيد المسيح؟ وماذا نتج عن هؤلاء الملاحدة من أمثال
تورغنيف، وهيرزن، وأوتين، وتشيرنشفسكي، الخ… إنهم جميعاً متكبرون، صلفون، متعجرفون…
ماذا يأملون؟ ومن سيتّبعهم في روسيا؟ إنهم واهمون. وما يزعجني أكثر لدى تورغنيف هو
احتقاره لروسيا بحجة أنها متخلفة عن أوروبا. انه يخجل ببلاده أمام الأوروبيين. وقد
قال لي بالحرف الواحد: ينبغي أن نتبع الألمان ونزحف وراءهم زحفا لأنه لا يوجد إلا
خط واحد لجميع الشعوب هو: خط الحضارة. والحضارة الآن هي أوروبية ولا شيء غيرها.
وبالتالي فإن من يدعون إلى اتباع خط الأصالة الروسية هم أغبياء ليس إلا. وقال لي
بأنه يكتب مقالة كبيرة عن عَبَدة الأصالة الروسية والأصالة السلافية لكي يكشف عن
نواقصهم وأخطائهم. وهكذا اكتشفت بأنه خائن لروسيا ويزحف أمام الألمان كالعبد
الذليل. لا أستطيع أن أتحمل هذا الشخص أبداً…انتهت رسالة دوستيوفسكي.
لكن ماذا
كان موقف تورغنيف من هذا الاتهام الخطير؟

لقد رد عليه برسالة مضادة وشديدة
العنف قائلاً: أولا أجد نفسي مضطراً للتصريح بما يلي: من غير المعقول أن أتحدث عن
قناعاتي الحميمة عن روسيا والشعب الروسي أمام السيد دوستويفسكي لسبب بسيط: هو أني
أعتبره شخصاً مريضاً… فبسبب الهزات النفسية التي تصيبه، وبسبب حالته المعيشية
البائسة فإنه لا يتمتع بجميع ملكاته العقلية… وهذا ليس رأيي فقط، وإنما رأي
الكثيرين من الناس.ينبغي العلم بأني لم أر السيد دوستويفسكي في حياتي إلا مرة واحدة
عندما زارني في بيتي وأخذ يشتم بالألمان وبي وبكتابي لمدة ساعة كاملة ثم انصرف. هذا
كل ما حصل. ولم أرد عليه أبداً لأني أعتبره كما قلت لكم شخصاً مريضاً
بالفعل…
هكذا نجد أن المعارك الفكرية لا تحصل فقط بين المثقفين العرب وتنحدر إلى
أدنى مستوى، وإنما تحصل أيضا بين المثقفين الروس وكذلك الفرنسيين وغيرهم. ولا
تستخدم فيها فقط الكلمات المهذبة وإنما كافة الأسلحة من مشروعة وغير مشروعة.
فتورغنيف لم يتوان عن الإشارة إلى المشاكل النفسية لدستويفسكي من أجل أن يسدّد له
ضربة قاضية. ومعلوم أن الإشاعات حول هذه النقطة كانت رائجة ومنتشرة جدا آنذاك. بل
وكان هناك أناس مختصون فيها ويغذونها باستمرار.. ولكن يبدو أنه نسي كلمة فرويد
الشهيرة أو قل لم يعش بما فيه الكفاية لكي يسمعها: قد تجد في دوستيوفسكي "الشخص" كل
عقد الأرض ومشاكلها. ولكن أمام دوستيوفسكي الكاتب أو الفنان لا تملك إلا أن تفعل
شيئا واحدا: أن تركع وتنحني
!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أنوس
عضو فضى
عضو فضى
avatar

انثى عدد الرسائل : 1406
العمر : 32
السٌّمعَة : 6
نقاط : 32653
تاريخ التسجيل : 20/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: تورغنييف: ثالث عمالقة الأدب الروسي   الثلاثاء مارس 02, 2010 11:17 am

تسلم ايدك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
لوجين
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1099
العمر : 28
السٌّمعَة : 5
نقاط : 31056
تاريخ التسجيل : 27/02/2010

مُساهمةموضوع: رد: تورغنييف: ثالث عمالقة الأدب الروسي   الثلاثاء مارس 02, 2010 8:52 pm

تسلمى على مرورك انوس
نورتينى ياقمر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
لولا
عضو فضى
عضو فضى
avatar

انثى عدد الرسائل : 1568
العمر : 30
السٌّمعَة : 5
نقاط : 32533
تاريخ التسجيل : 16/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: تورغنييف: ثالث عمالقة الأدب الروسي   الأربعاء مارس 03, 2010 10:56 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
لوجين
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1099
العمر : 28
السٌّمعَة : 5
نقاط : 31056
تاريخ التسجيل : 27/02/2010

مُساهمةموضوع: رد: تورغنييف: ثالث عمالقة الأدب الروسي   الجمعة مارس 05, 2010 6:41 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تورغنييف: ثالث عمالقة الأدب الروسي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى جنة :: المبدعين :: عظماء ومبدعين-
انتقل الى: